|
أنواع الخبر عن الرسول ينقسم الحديث تقسيماً أساسياً إلى قسمين: متواتر وآحاد. فيمايلى عرض لأقسام الحديث و شروطها حسب ما جاء فى بعض مراجع علم الحديث: الحديث
المتواتر: هو الذي يرويه كثرة من الرواة تبلغ
حد إحالة العادة اتفاقهم على الكذب. و ينقسم
الى قسمين: 1 ـ
المتواتر اللفظي: هو الذي يرويه جميع الرواة،
وفي كل طبقاتهم بنفس صيغته اللفظية الصادرة
من قائله. ويظهر
من خلال الاستقراء الذي أشير إليه في بعض
مراجع علم الحديث أن الأحاديث المتواترة
تواتراً لفظياً قليلة قلة نادرة، وأكثر ما
يوصف من الأحاديث بالتواتر هي من المتواتر
المعنوي. 2 ـ
المتواتر المعنوي: وهو المعنى المستفاد من
تكراره أو الإشارة إليه في أحاديث مختلفة
الألفاظ، وكثيرة كثرة لا يمكن معها تكذيبها. أو هو أن
ينقل جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع
مختلفة تشترك كلها في أمر معين، فيكون هذا
الأمر متواتراً، وهو الذي
ينطبق عليه تعريف الإجماع المسلمين أن النبي (ص)
فعله و أمر به أو نهى عنه، أو غير ذلك،
انطباقاً صحيحاً، مثل: مواقيت الصلاة، وأعداد
ركعاتها، وصلاة الجنازة، والعيدين، وغير ذلك. يتحقق
التواتر في أصول الشرايع كوجوب الصلاة
اليومية وأعداد ركعاتها، والزكاة، والحج،
تحققاً كثيراً، وفي الحقيقة مرجع إثبات
تواترها إلى المعنوي لا اللفظي و
التواتر قليل التحقق في الأحاديث الخاصة
المنقولة بالألفاظ المخصوصة لعدم اتفاق
طبقات الرواة الطرفين والوسط فيها. و هناك
من الحديث المتواتر ما ادعي تواتره ينظر مدعي
التواتر إلى تحققه في زمانه، أو هو وما قبله
من غير استقصاء جميع الأزمنة، ولو أنصف لوجد
الأغلب خلواً أول الأمر منه بل ربما صار
الحديث الموضوع ابتداءً متواتراً بعد ذلك،
لكن شرط التواتر مفقود من جهة الابتداء)). تعليقاً على ما فات: الخبر
المتواتر : هو الذي يرويه كثرة من الرواة تبلغ
حد إحالة العادة اتفاقهم على الكذب. و يتساءل
المرء عن طبيعة هذه العادة البشرية التى يمكن
أن تحول دون التواطىء على الكذب على الله و
رسله. إن
العادة الوحيدة التى تحققت مع كل الرسل منذ
بداية البشرية هى العداء الشديد لدين الله و
تكذيب الرسل فى حياتهم ثم تحريف كلام الله بعد
الرسل، و خير شاهد على ذلك هو التواطىء على
تحريف كل الرسالات السابقة مثل التوراة و
الانجيل.
(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {78 آل عمران (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ {146 البقرة
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ {11 النور و هو ما يبطل قاعدة إحالة العادة دون الكذب أو التواطىء عليه فى حالة الكثرة العددية. عن شروط
الخبر المتواتركما جاء فى مراجع علم الحديث: عن معرفة
المخبرين بمضمون الخبر: فحين تقابلك رواية متواترة فحاول أن تعرف أى مستوى من المعرفة تحقق لدى الرواه، هل هو العلم المتراكم أم الظن المتراكم أم العلم المختلط بظن!! لقد كان الظن إذاً طرفاً فى مواصفات جمع الخبر المتواتر، فهل يستوى ذلك مع يقين القرآن الذى وصفه الله بأنه حق اليقين وعين اليقين؟ اتفق
العلماء على ألا يشترط عدل وثقة الرواة فى
الحديث المتواتر!!! لا تعليق الحد
الأدنى للرواة حتى يتحقق التواتر: ـ أن لا
يقل عدد المخبرين عن خمسة أشخاص، لعدم إفادة
خبر الأربعة العدول، العلم كما في شهود الزنا. تعليق: لم بتفق العلماء إذاً على الحد الأدنى لرواة الحديث المتواتر،و يرى العلماء أن إفادة الخبر العلم لا ينضبط بعدد معين، لقد تراوح الحد الأدنى للرواة الذى يحقق التواتر تراوح ما بين أقل من خمسة رواة و حتى ما يزيد عن ثلثمائة راوى، لاحظ الفجوة الكبيرة بين الحدين. فحين يقال لك إن هذا حديث متواتر أى روى بكثرة عددية تحول العادة دون التواطىء على الكذب، فتوقع أن يتراوح عدد الرواة ما بين خمسة إلى ثلثمائة راوٍ. و السؤال هو هل تستوى الثقة التى تتحقق من خمسة رواة بتلك التى يحققها ثلاثمائة؟ و ما هو حيز الأعداد الذى يتحقق بتكرار أكبر؟ هل هى الآحاد أم العشرات أم المئات؟ بمعنى هل عدد الرواة فى الحديث المتواتر غالباً ما يكون بالمئات و قل ما يكون عشرات و نادراً ما يكون أحاد؟ أم أن العكس هو الصحيح؟ وهل توجد إحصائية محددة تبين ذلك؟ مثال على المصداقية النظرية التى لا تغير من حقيقة الأحاديث القائمة شىء
وإذا
رجعنا إلى كتب علم الحديث لمعرفة دلالة كلمة (متواتر)
علمياً، سنرى أن كتب علم الحديث
تحصره في صيغتين من التعريف، هما:
ولاحظ
الشيخ الجليل (....) على التعريف الأول، قال: ((ففي
هذا التعريف رُكّز على الكثرة، وأنه يجب أن
يبلغ عدد المخبرين إلى حد من الكثرة يمنع عن
تواطئهم على الكذب. تعليقاَ على ما فات:
لمس
الشيخ نقطة الضعف فى التعريف الأول
و بناءاً عليه فقد رجح التعريف الثانى الذى
تغلب على هذه الهفوة، لكن فات الشيخ أن ترجيحه
للتعريف الأكثر ضبطاً لا يمكن أن يحقق عصمة و
مصداقية الخبر المتواتر إلا بشكل نظرى، فنقطة الضعف تكمن ليس فقط فى التعريف ولكن فى الطريقة الفعلية لجمع الحديث والتى تمت و لم يعد من الممكن تغيرها بناءاً على التعريف
الأكثر ضبطاً، واحتمال الكذب سواء بالتواطئ أو بغيره وارد بالفعل بصرف النظر عن
التعريف.
فاختيار التعريف الذى يعطى مصداقية أكبر لايعطى ضماناً يقينياً على عدم تعمد الكذب
لأنه لن
يغير من واقع الأحاديث التى بين أيدينا شىء.
خبر
الآحاد: إن خبر الواحد هو الذي لا يبلغ حد
التواتر ـ سواء كثرت رواته أم قلت ـ ، وليس
شأنه إفادة العلم بنفسه. أو هو ما يفيد الظن
وإن تعدد المخبر. 1 ـ خبر
الواحد المقرون:
من أمثلة القرائن: أ ـ كون
الراوي ثقة يؤمن منه الكذب عادة. 2 ـ خبر
الواحد غير المقرون: وهو ذلكم
الخبر الذي لا يبلغ مستوى التواتر، ولم يقترن
بما يساعده على إفادة العلم بصدوره. تعليقاً على القرائن: لا يختلف اثنان على أن القرآن هو المرجع الاسلامى الذى لا ريب فيه، وأى حديث يتوافق مع القرآن يرقى بلا أدنى شك إلى منزلة اليقين، أما ما دون القرآن من القرائن فالملاحظ أنها تعتمد بشكل أساسى على افتراض الثقة فى بعض الأشخاص مثل بعض الرواة الثقات وأصحاب الكتب الأربعة، أو كتب أحد الثقات، أو تكرار الحديث فى كتب متعددة ومعتمدة، أو أحد أصحاب الاجماع. والحقيقة أن افتراض أمانة بعض الأشخاص أو العلماء لا يمكن أن يحقق اليقين الفعلى فى خبر هو فى أصله ظنى، خاصة اذا كان هذا الخبر يضيف لعقيدة وشريعة المسلمين ويفسر القرآن ويفصل مجمله ويكمل ما نقص فيه فهذا أمر جد خطير. ولا يمكن لمنصف أن يتلقى جانب من عقيدته وشريعته من مصدر يعتمد فى أساسه على ثقة مفترضة فى أشخاص دون الأنبياء أصحاب الميثاق الغليظ، لا يمكن لهذه الثقة المفترضة فى هؤلاء الأشخاص أن تحول الظن إلى يقين نبنى عليه ديننا، لأن الثقة فى هؤلاء نفسها أمر ظنى ولا يمكن أن يتوافر دليل حقيقى عليه ولا يعلم بمصداقية هؤلاء وأمانتهم بشكل فعلى إلا الله. لقد أخبرنا القرآن فى العديد والعديد من المرات أن أول سبب لضلال الناس ودخولهم النار هو الاتباع أو بمسمى آخر الاستضعاف؛ أى تعلم الدين وتكوين عقيدتنا وشريعتنا من أشخاص ما أنزل الله بهم من سلطان. انه تحذير كافى للمسلمين، ولن يكون لنا حجة أمام الله إن أضلنا هؤلاء الثقات ولن يغنى عنا إجماع الأمة على هؤلاء الثقات. { وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا {67} رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا {68} سورة الأحزاب {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ {166} وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ {167سورة البقرة {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ {31}سورة فاطر { وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ {21} سورة ابراهيم لقد كلف الله المؤمنين فقط باتباع الكتاب المنزل ونهانا عن اتباع أولياء من دون ذلك الكتاب، فهل هناك وصف لهؤلاء الأولياء- الذين نهانا الله عن اتباعهم بديلاً عن الله وكتابه- هل هناك وصف للأولياء أقرب من هؤلاء الثقات الذين ما أنزل الله بثقتنا بهم من سلطان؟ { كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ {2} اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ {3} سورة الأعراف
إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ
وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ {1 مما سبق يتبين أن خبر الآحاد هو فى حقيقته العلمية خبر ظنى و إن أيدته القرائن، إلا أن كثيراً من العلماء قد تباين موقفهم من الاعتراف بهذه الحقيقة الثابتة. فتحايل بعضهم على تلك الحقيقة بابتكار مسميات و تعريفات أخرى لخبر الآحاد و تعمد اسقاط مسماه الحقيقى الذى ينال من مصداقية هذا الخبر، فعرفه بعضهم على سبيل المثال، بأنه الخبر المحفوف بالقرائن القطعية، أو أنه الخبر المنقول عن طريق حساب الاحتمال بتجميع القرائن. و نفى بعضهم الحقيقة العلمية التى تقول ان هذا الخبر ظنى و ان أيدته القرائن. و آخرين هاجموا بشراسة كل من تسول له نفسه الإفصاح عن الحقيقة الظنية لخبر الآحاد. و قد تعمد الكثيرين ادعاء أن ظنية خبر الآحاد هى فقط من مزاعم فرق الأقلية المرفوضة على مستوى الإجماع مثل الأشاعرة و المعتزلة، و أحياناً الهنود، كشكل من أشكال الحجر المتعمد على العقول: "خبر الآحاد الثقات الأثبات المتصل الإسناد فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة، ولم يخالف في هذا إلا فئة قليلة كالمعتزلة. " و على الرغم من ظنية خبر الآحاد إلا أن علماء الأمة قد أجمعوا على الأخذ به فى أمور العقيدة و الشريعة!!
و ذلك
على الرغم من القاعدة القرآنية المعروفة
الثابتة التى تنهى عن اتباع الظن و تعتبره
مصدر تحريف الدين. إلا أننا تجاهلنا
تلك القاعدة، اتباعاً لإجماع العلماء.
لقد اتخذ المسلمون علماءهم حجة وقدوة. لكن الحق هو أن حجة كتاب الله المفصل والذى أمرنا به الله، تفوق حجة العلماء. ( أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ {114} وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {115} وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ {116الأنعام ( قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ {35} وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ {36 يونس فالله هو الحكم و هو الذى يهدى للحق و هو أحق أن يتبع، أما الظن فهو لا يغنى من الحق شيئا حتى و لو آقره جميع علماء الأمة، فإن ذلك لايحوله ليقين. الله تعالى وكتابه المفصل المنزل بالحق هو الحكم الذى لا يجوز اتخاذ بديل عنه، أو عن كلمة الله التامة بالصدق و العدل. إن الأحق بالاتباع هو الله وحده الذى يهدى للحق، أما من لا يهدون أنفسهم والله هو الذى يهديهم إن شاء، فهم ليسوا أهلاً للاتباع. إن الحقيقة القرآنية تقرر أن أكثر من فى الأرض لا يتبعون إلا الظن، و لا ينبغى اتباعهم حتى لا يضلونا عن سبيل الله. إن مصطلح " أكثر من فى الأرض" يتطلب حذر شديد من المؤمن عند تلقيه المفاهيم الدينية الشائعة، السائدة حوله، الله تعالى يخبرنا أن أغلب الناس يتبعون الظن الذى لا يغنى من الحق شيئا.
ما هو
الضمان على عصمة و أمانة الرواة عن الرسول
عليه الصلاة و السلام، و قد أخبرنا الله تعالى
فى كتابه عن فئة تضمر العداء لله و رسوله و
تظهر الإيمان، إنهم المنافقين.
لقد حذر
الله تعالى رسوله من المنافقين فى العديد من
المواقف، و لم يكن بوسع رسول الله معرفة
المنافقين الذين عاصرهم و خالطهم، إلا من
خلال بيان الله له بسيماهم و علاماتهم و
مواقفهم و ذلك عن طريق الوحى.
وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي
لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ
{ 30 محمد فكيف يتسنى لجامعى الأحاديث التحقق اليقينى من عدل و ثقة الرواة دون أن يعاصروهم؟ هل تلقوا وحى إلهى عرفهم بسمات المنافقين فتجنبوها؟ و يعتقد المسلمون أن قبول أغلب علماء الأمة لهذا التراث من المرويات عن الرسول عليه الصلاة و السلام بكل القواعد التى وضعوها لتناقل هذا الخبر، هو الضمان الكافى على مصداقية هذه المرويات، إلا أن تحريف جميع كتب الله السابقة، مع قبول علماء هذه الأمم هو الدليل التاريخى الحاسم على خطأ هذا الاعتقاد. إن الضمان الوحيد على مصداقية رسالة ما هو حفظ الله تعالى لها، و هو ما لم يتحقق منذ بدء البشرية إلا فى كتاب واحد باقى إلى يوم الدين إنه القرآن العظيم. لقد اتفق كل من السنة و الشيعة على جميع الصياغات السابقة كتعريفات للخبر عن الرسول عليه الصلاة و السلام، إلا أن نفس هذه التعريفات قد أفرزت إختلافات جوهرية و ربما متناقضة بين الروايات التى تبناها كل من الفريقين، و هو ما يدل على أن عصمة و دقة هذه التعريفات لا بمكن أن يتحققا إلا بشكل نظرى. إن الذين ينسبون هذه المرويات إلى الوحى و إلى الرسول قد ارتبكوا مغالطة كبرى ، فالقرآن لم يزكى أى من التعريفات و القواعد التى ارتكز عليها علم الحديث، و لم يوصى الرسول بأىٍ منها. لقد أخرجوا لنا علماً بشرياً بكل طرق جمعه! بشرياً بكل قواعد إثباته! بشريا بكل تعريفاته! بشرياً فى تقييم عدل و ثقة رواته! بشرياَ فى الحجة الوحيدة التى قام عليها و هى قبول أغلب علماء هذه الأمة! ثم زعموا أنها وحى من عند الله لرسوله، و أنها سنة الرسول المكملة و المفصلة للدين! لقد صوبوا مدفع إنكار سنة الرسول و مخالفة إجماع العلماء فى وجه كل من يحاول مراجعة الفكرة أو مناقشة قواعدها البشرية! إن التشريع و تحديد مصادره هو من اختصاصات رب العالمين ولا أحد سواه. أما صلاحيات علماء الأمة، فهى تقف عند حدود بشريتهم، و لا تتعداها للاختصاصات الإلهية. الحقيقة أن هذه الروايات لا يمكن أن ترتقى فوق مستوى الظن لمجرد اجماع الأمة أو حتى اختلافها على ذلك، إن عدم حفظ الله لها، يجعلها لا محالة عرضة للتحريف ، مثل كل كتب الله السابقة التى تم تحريفها، مهما كانت المقاييس والقواعد التى وضعها العلماء لتنقية هذه المرويات، بعكس كتاب الله الذى تحققت مصداقيته بشكل مطلق دون الحاجة لأى علوم أو قواعد بشرية أو رواة وعلماء ثقات لتحقيق ذلك، إنما فقط بحفظ الله. إن حفظ الله للقرآن وحده وترك مرويات الرسول عليه الصلاة والسلام خارج نطاق هذا الحفظ، يضع القرآن وحده فى موقع الصدارة والتفرد، ويحدد بشكل حاسم أن هذا القرآن هو وحده ما أراده الله لهذه لأمة، ولو أراد الله لمرويات الرسول أن تبقى إلى يومنا هذا لشملها بحفظه سبحانه كما حفظ القرآن، وما أيسر ذلك على رب العالمين.
|
|